الرئيسية التفكير والعقلية الكمال وهم يستنزفك...
التفكير والعقلية

الكمال وهم يستنزفك — لماذا "جيد بما يكفي" أفضل من "مثالي لا يحدث"

10 يناير 2026 4 دقيقة قراءة 7 مشاهدة
الكمال وهم يستنزفك — لماذا "جيد بما يكفي" أفضل من "مثالي لا يحدث"

تريد أن تبدأ مشروعك، لكنك تنتظر حتى تكون الفكرة مكتملة. تريد أن تتعلم مهارة جديدة، لكنك تبحث عن الوقت المثالي. تريد أن تتحدث في اجتماع، لكنك تنتظر حتى تكون متأكداً مئة بالمئة من كلامك. في كل مرة، هناك شيء ينقص. شيء يحتاج تحسيناً. شيء يجعلك تقول: ليس الآن، لاحقاً.

هذا الصوت الذي يطلب منك الانتظار يبدو منطقياً. يبدو حكيماً. لكنه في الحقيقة أخطر أعدائك. لأنه لا يمنعك من الفشل — بل يمنعك من البداية أصلاً. والفرق بين من يتقدم ومن يبقى في مكانه ليس الموهبة أو الحظ، بل الاستعداد للبدء قبل أن يكون كل شيء جاهزاً.

الكمال قناع للخوف

عندما تقول "أريد أن يكون العمل مثالياً"، ما تقوله فعلاً هو "أخاف أن يُنتقد". عندما تنتظر الظروف المناسبة، ما تفعله هو تأجيل مواجهة احتمال الفشل. الكمالية ليست معياراً عالياً — إنها آلية دفاع. طريقة لحماية نفسك من الحكم، من الرفض، من اكتشاف أنك لست بالقدر الذي تظن.

المشكلة أن هذه الحماية تكلفك أكثر مما تحميك. كل يوم تؤجل فيه هو يوم لا يعود. كل فرصة تتركها "حتى تكون جاهزاً" قد لا تتكرر. والأسوأ: كلما انتظرت أكثر، زاد الضغط الذي تضعه على نفسك، وأصبحت البداية أصعب.

الكمالية لا تحميك من الفشل — بل تضمن لك نوعاً آخر منه: فشل عدم المحاولة.

الواقع الذي لا نحب سماعه

اللحظة المثالية لن تأتي. الظروف لن تكتمل. الاستعداد الكامل وهم. هذه ليست تشاؤمية، بل ملاحظة لكيف يعمل العالم. دائماً سيكون هناك شيء ناقص، شيء يمكن تحسينه، سبب منطقي للتأجيل. السؤال ليس متى ستكون الظروف مثالية، بل هل ستبدأ رغم أنها ليست كذلك.

انظر لأي شخص حقق شيئاً يستحق. لم يبدأ وهو جاهز. بدأ وهو خائف، وهو يشك، وهو يعرف أن عمله ليس مثالياً. الفرق أنه قرر أن النقص مقبول، وأن التعلم يحدث بالممارسة لا بالانتظار.

لماذا "جيد بما يكفي" ليس استسلاماً

هناك فرق جوهري بين التساهل والواقعية. قبول أن عملك "جيد بما يكفي" لا يعني أنك لا تهتم بالجودة. يعني أنك تفهم أن الجودة الحقيقية تأتي من التكرار والتحسين، لا من محاولة واحدة مثالية. الكاتب الجيد لا يكتب مسودة مثالية — يكتب مسودة سيئة ثم يحسّنها. المبرمج الماهر لا يكتب كوداً بلا أخطاء — يكتب كوداً ثم يختبره ويصلحه.

النسخة الأولى من أي شيء ستكون ناقصة. هذا ليس فشلاً، هذا هو المسار الطبيعي. المنتج الذي تراه اليوم ناجحاً مر بعشرات النسخ الفاشلة. الفكرة التي تبدو عبقرية الآن بدأت ركيكة ومشوشة. التحسين يتطلب وجود شيء تحسّنه — والكمالية تمنعك من إيجاد هذا الشيء.

أسوأ نسخة منشورة أفضل من أفضل نسخة في رأسك. لأن الأولى يمكن تحسينها، والثانية لا وجود لها.

كيف تتعامل مع صوت الكمال

أول خطوة هي أن تلاحظ متى يتحدث هذا الصوت. عندما تجد نفسك تؤجل شيئاً تريده، اسأل: هل أنتظر لسبب حقيقي، أم أختبئ خلف عذر الكمال؟ غالباً ستجد أن الانتظار ليس له نهاية واضحة — لأنه لم يكن عن الاستعداد أصلاً.

ثانياً، حدد ما هو "جيد بما يكفي" قبل أن تبدأ. ما الحد الأدنى الذي تقبله؟ ما المعيار الذي إذا وصلت إليه ستنشر، ستتكلم، ستبدأ؟ بدون هذا التحديد، ستظل تحسّن للأبد لأن "أفضل" دائماً ممكنة.

ثالثاً، ذكّر نفسك أن الجمهور لا يرى النقص الذي تراه. أنت تعرف كل التفاصيل الصغيرة التي تزعجك. لكن من يستقبل عملك يراه للمرة الأولى، بعيون طازجة، بدون مقارنته بالنسخة المثالية في رأسك. غالباً ما يكون النقص الذي يؤرقك غير مرئي لغيرك.

التقدم يتطلب شجاعة النقص

كل خطوة للأمام تتطلب قبول أنك لست جاهزاً تماماً. الوظيفة الجديدة، العلاقة، المشروع، المهارة — كلها تبدأ من مكان عدم الكفاءة. هذا ليس عيباً فيك، بل طبيعة النمو. لا أحد يولد خبيراً، والخبرة تُبنى بالتجربة لا بالانتظار.

الشجاعة ليست غياب الخوف من النقص، بل التحرك رغم وجوده. أن تنشر وأنت تعرف أنه يمكن أن يكون أفضل. أن تتكلم وأنت لست متأكداً من كل كلمة. أن تبدأ وأنت تعرف أنك ستخطئ. هذه الشجاعة هي ما يفصل بين من يحلم ومن يفعل.

في النهاية، العالم لا يكافئ الكمال — يكافئ الإنجاز. لا أحد يسأل كم انتظرت قبل أن تبدأ. يسألون ماذا فعلت. والإجابة الوحيدة التي تهم هي أنك بدأت — ناقصاً، خائفاً، غير مستعد — لكنك بدأت.

ما رأيك في المقال؟

شارك المقال
الكمالية التفكير العقلية البداية الخوف من الفشل التطوير الذاتي

التعليقات

0

كن أول من يعلق على هذا المقال!

النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والنصائح للتطوير الذاتي مباشرة في بريدك الإلكتروني.

لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.