الرئيسية التفكير والعقلية ركّز على ما...
التفكير والعقلية

ركّز على ما تتحكم فيه — الباقي ضجيج

10 يناير 2026 4 دقيقة قراءة 8 مشاهدة
ركّز على ما تتحكم فيه — الباقي ضجيج

تقضي ساعات تفكر في رأي الناس فيك. تقلق من قرارات سيتخذها غيرك. تغضب من الازدحام، من الطقس، من تصرفات لا سلطة لك عليها. في نهاية اليوم تشعر بالإرهاق، رغم أنك لم تفعل شيئاً يستحق هذا الإرهاق. طاقتك ذهبت في معارك لم تختارها ولا تستطيع كسبها.

هذا النمط من التفكير شائع جداً. نميل بطبيعتنا للانشغال بما يحدث حولنا، حتى لو لم نستطع تغييره. لكن هذا الانشغال له ثمن: كل قطرة طاقة تصرفها على ما لا تتحكم فيه هي طاقة مسروقة مما تستطيع تغييره فعلاً.

الدائرتان اللتان تحددان حياتك

تخيل دائرتين: واحدة صغيرة في المركز، وأخرى كبيرة تحيط بها. الدائرة الصغيرة هي ما تتحكم فيه — أفعالك، ردود فعلك، قراراتك، جهدك، كلماتك. الدائرة الكبيرة هي ما يؤثر فيك لكنك لا تتحكم فيه — تصرفات الآخرين، الاقتصاد، الماضي، آراء الناس، نتائج لا تعتمد عليك وحدك.

المشكلة أن معظمنا يعيش في الدائرة الكبيرة. نفكر فيها، نقلق منها، نحاول تغييرها. بينما الدائرة الصغيرة — المكان الوحيد الذي نملك فيه قوة حقيقية — تبقى مهملة. النتيجة: شعور دائم بالعجز، لأننا نقيس نجاحنا بأشياء خارج سيطرتنا.

لا تستطيع التحكم في النتيجة، لكنك تتحكم في الجهد. لا تستطيع التحكم في رأي الناس، لكنك تتحكم في أفعالك. هذا الفرق يغير كل شيء.

لماذا ننجذب لما لا نتحكم فيه

الانشغال بما لا نتحكم فيه يعطينا وهم السيطرة. القلق يشعرنا أننا نفعل شيئاً، حتى لو كان هذا الشيء مجرد تفكير دائري لا ينتهي. أيضاً، التركيز على الخارج يعفينا من مسؤولية الداخل. من السهل أن تلوم الظروف بدل أن تسأل نفسك: ما الذي أستطيع فعله الآن؟

هناك أيضاً عامل اجتماعي. الشكوى من الظروف مقبولة، بل متوقعة. الحديث عن الاقتصاد والسياسة والناس يملأ المحادثات. لكن الحديث عما تفعله أنت شخصياً لتغيير وضعك — هذا يتطلب شجاعة ومسؤولية لا يريد الجميع تحملها.

التطبيق العملي: فلترة انتباهك

في كل موقف يستفزك أو يقلقك، اسأل سؤالاً واحداً: هل أستطيع فعل شيء حيال هذا الآن؟ إذا كان الجواب نعم، فافعله. إذا كان الجواب لا، فاتركه. ليس تجاهلاً أو إنكاراً، بل اعترافاً واعياً أن طاقتك محدودة وتستحق أن تُصرف فيما يعود عليك بنتيجة.

خذ مثالاً: أنت قلق من عرض تقديمي في العمل. ما الذي تتحكم فيه؟ تحضيرك، تدريبك، وضوح أفكارك. ما الذي لا تتحكم فيه؟ رأي الحضور، أسئلتهم، قرار مديرك. ركّز طاقتك على الأول واترك الثاني. ليس لأنه غير مهم، بل لأن القلق منه لن يغيره.

  • تتحكم في: جهدك، استعدادك، ردة فعلك، كلماتك، موقفك
  • لا تتحكم في: نتائج خارج يدك، آراء الآخرين، الماضي، تصرفات غيرك، ظروف لم تخترها

ماذا عن الأشياء المهمة التي لا أتحكم فيها؟

السؤال المشروع: ماذا لو كان ما لا أتحكم فيه مهماً جداً؟ صحة شخص أحبه، وظيفة تعتمد على قرار غيري، نتيجة انتظرها طويلاً. الجواب ليس أن تتوقف عن الاهتمام، بل أن تفصل بين الاهتمام والانشغال المدمر.

الاهتمام صحي — يدفعك لفعل ما تستطيع. الانشغال المدمر يستهلكك دون أن يغير شيئاً. الفرق في السؤال: هل تفكيري هذا يقودني لفعل مفيد، أم أنه دوران في الفراغ؟ إذا كان دوراناً، فالوقت حان لتحويل انتباهك.

الاهتمام بمن تحب لا يعني القلق الدائم عليهم. أحياناً أفضل ما تقدمه هو حضورك الهادئ، لا قلقك المستنزف.

الهدوء ليس استسلاماً

قد يبدو التخلي عن القلق ضعفاً أو لامبالاة. لكن العكس هو الصحيح. التركيز على ما تتحكم فيه يتطلب قوة — قوة الاعتراف بحدودك، قوة مقاومة إغراء القلق، قوة توجيه طاقتك بوعي بدل تركها تتسرب.

من يركز على دائرته الصغيرة لا يستسلم للظروف — بل يعظّم تأثيره فيها. بدل أن يشتكي من الاقتصاد، يطور مهاراته. بدل أن يلوم الآخرين، يحسّن تواصله. بدل أن ينتظر الظروف المثالية، يبدأ بما يملك. هذا ليس تجاهلاً للواقع، بل تعامل ذكي معه.

تمرين يومي بسيط

في نهاية كل يوم، اسأل نفسك: أين صرفت طاقتي اليوم؟ كم منها ذهب لما أتحكم فيه، وكم ذهب لما لا أتحكم فيه؟ لا تحكم على نفسك، فقط لاحظ. مع الوقت، ستبدأ بملاحظة الأنماط — المواقف التي تستنزفك، الأفكار التي تدور، المحفزات التي تسحبك خارج دائرتك.

الوعي وحده يغير الكثير. عندما تلاحظ أنك تقلق من شيء خارج سيطرتك، القلق يفقد بعض قوته. لأنك الآن تراه كما هو — استنزاف بلا عائد — لا كشيء ضروري أو مفيد.

في النهاية، حياتك ليست مجموع ما يحدث لك، بل مجموع ما تفعله بما يحدث لك. والأخير — فقط الأخير — هو ما تتحكم فيه. ركّز هناك، والباقي سيجد مكانه.

ما رأيك في المقال؟

شارك المقال
التحكم التركيز الرواقية العقلية الطاقة التطوير الذاتي القلق

التعليقات

0

كن أول من يعلق على هذا المقال!

النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والنصائح للتطوير الذاتي مباشرة في بريدك الإلكتروني.

لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.