لاحظ الجمل التي تقولها عن نفسك بشكل تلقائي: "أنا لست جيداً مع الأرقام"، "أنا شخص خجول"، "أنا لا أستطيع الالتزام"، "الحظ دائماً ضدي". تبدو هذه الجمل وكأنها وصف محايد للواقع. لكنها ليست كذلك — إنها قصص تخبرها لنفسك، وهذه القصص تصنع حياتك.
حين تقول "أنا لست جيداً مع الأرقام"، أنت لا تصف حقيقة ثابتة. أنت تختار عدم المحاولة، تتجنب المواقف التي تتطلب أرقاماً، وتفسر كل صعوبة كدليل على صحة اعتقادك. القصة تخلق الواقع الذي يؤكدها.
معتقداتك عن نفسك ليست انعكاساً للواقع — بل هي تعليمات تُعطيها لدماغك عما يجب أن يلاحظه، وما يجب أن يتجاهله، وكيف يجب أن يتصرف.
كيف تتشكل القصص
معظم القصص التي نرويها عن أنفسنا بدأت في الطفولة. معلم قال لك إنك لست جيداً في الرياضيات. أب قارنك بأخيك الأكثر جرأة. موقف محرج في الصف جعلك تقرر أنك "لست جيداً في الكلام أمام الناس".
هذه اللحظات الصغيرة تتحول إلى استنتاجات، والاستنتاجات تتحول إلى هوية. تمر السنوات، تنسى الموقف الأصلي، لكن الاستنتاج يبقى. يصبح "حقيقة" لا تُسائلها، جزءاً من تعريفك لنفسك.
المشكلة أن طفلاً في الثامنة لا يملك القدرة على التحليل الموضوعي. يأخذ الأحداث شخصياً، يُعمم من موقف واحد، ويصنع قواعد تبقى معه للأبد. أنت الآن بالغ، لكنك ما زلت تعيش بقواعد وضعها طفل.
النبوءة المحققة لذاتها
القصص التي تؤمن بها عن نفسك تتحقق — ليس بالسحر، بل بآلية بسيطة: تؤثر على سلوكك. إذا كنت تؤمن أنك شخص غير محظوظ، ستلاحظ كل الأشياء السيئة التي تحدث وتتجاهل الجيدة. ستتوقع الفشل فتستعد له أقل. ستفسر كل نتيجة سلبية كدليل على سوء حظك.
الدماغ يعمل بنظام التأكيد: يبحث عن أدلة تؤكد ما يؤمن به ويتجاهل ما يناقضه. هذا يعني أنك ستجد دائماً "أدلة" على صحة قصتك، مهما كانت. شخص يؤمن أنه محبوب وشخص يؤمن أنه مرفوض يمكن أن يعيشا نفس الموقف ويفسراه بطريقتين مختلفتين تماماً.
الفرق بين الحقيقة والقصة
كيف تميز بين حقيقة عن نفسك وقصة تخبرها لنفسك؟ الحقائق محددة وقابلة للقياس: "رسبت في امتحان الرياضيات في الصف الخامس". القصة تعميم وحكم: "أنا سيء في الرياضيات". الحقيقة تصف حدثاً واحداً، القصة تدّعي أنها تصف هويتك.
- ●الحقيقة: حدث محدد في زمان ومكان معين
- ●القصة: تعميم يدّعي وصف شخصيتك
- ●الحقيقة: لا تحمل حكماً على قيمتك
- ●القصة: غالباً تحمل حكماً سلبياً مخفياً
- ●الحقيقة: قابلة للتغيير والتحديث
- ●القصة: تبدو ثابتة وأبدية
مساءلة القصص القديمة
الخطوة الأولى ليست تغيير القصة، بل ملاحظتها. ابدأ بالانتباه للجمل التي تقولها عن نفسك، خاصة التي تبدأ بـ "أنا دائماً..." أو "أنا أبداً..." أو "أنا لست من النوع الذي...". هذه إشارات لقصص، لا حقائق.
ثم اسأل: من أين جاءت هذه القصة؟ متى قررت هذا عن نفسك؟ هل هناك أدلة تناقض هذه القصة؟ غالباً ستجد أن القصة بدأت بموقف قديم، وأن هناك أدلة كثيرة ضدها اخترت تجاهلها.
السؤال القوي: "هل هذه حقيقة مثبتة أم قصة أخبرها لنفسي؟" هذا السؤال وحده يفتح مساحة للشك الصحي.
كتابة قصة جديدة
تغيير القصة لا يعني الكذب على نفسك أو التظاهر بالإيجابية. لا تستبدل "أنا فاشل" بـ "أنا ناجح" إذا لم تكن تؤمن بذلك — دماغك سيرفضها. الأفضل هو قصة أكثر دقة وانفتاحاً.
بدلاً من "أنا سيء في الرياضيات"، جرب: "لم أتعلم الرياضيات بشكل جيد سابقاً، لكن هذا لا يعني أنني لا أستطيع تعلمها الآن". بدلاً من "أنا شخص خجول"، جرب: "أشعر بعدم الراحة أحياناً في المواقف الاجتماعية الجديدة، وهذا يمكن أن يتغير بالممارسة".
القصة الجديدة تعترف بالواقع لكنها تترك مساحة للتغيير. لا تنفي الماضي، لكنها لا تجعله حكماً نهائياً على المستقبل.
الأفعال تُعيد كتابة القصة
القصص لا تتغير بالتفكير فقط. تتغير حين تفعل شيئاً يناقضها. إذا كانت قصتك أنك شخص لا يلتزم، فالتزم بشيء صغير لمدة شهر. كل يوم تلتزم فيه يضعف القصة القديمة ويبني أخرى جديدة.
ابدأ صغيراً جداً. الهدف ليس إثبات أنك شخص مختلف تماماً — الهدف هو جمع أدلة صغيرة تُشكك في القصة القديمة. مع الوقت، هذه الأدلة الصغيرة تتراكم وتصنع قصة جديدة.
أنت أكثر من قصة واحدة
ربما أهم إدراك هو أنك لست قصة واحدة. أنت مجموعة معقدة من الإمكانيات، بعضها تحقق وبعضها لم يتحقق بعد. القصص التي ترويها عن نفسك تختار أي إمكانيات تُغذي وأيها تُهمل.
اختر قصصك بوعي. ليس لأن الإيجابية "تجذب" النجاح، بل لأن ما تؤمن به يحدد ما تحاوله، وما تحاوله يحدد ما تحققه. القصة التي ترويها لنفسك اليوم تكتب حياتك غداً — فاكتب قصة تستحق أن تعيشها.

