تنتهي من محادثة عادية، لكن بعد ساعة تجد نفسك تعيد تحليلها. "ماذا قصد بتلك الجملة؟" "هل كان يجب أن أرد بشكل مختلف؟" "ربما أخطأت عندما قلت كذا." تدور الأفكار، وتدور، وتدور — دون أن تصل لأي استنتاج مفيد.
أو ربما الأمر يتعلق بالمستقبل. قرار تحتاج اتخاذه، فتبدأ بتخيل كل السيناريوهات الممكنة. ماذا لو حدث كذا؟ ماذا لو فشل كذا؟ تقضي ساعات في رأسك تعيش أحداثاً لم تقع، وتتعب من مشاكل لم تحدث بعد.
الفرق بين التفكير والدوران
التفكير المفيد له اتجاه. تبدأ بسؤال، تستكشف الخيارات، تصل لفهم أو قرار أو خطة، ثم تتوقف. الإفراط في التفكير مختلف تماماً — تبدأ بسؤال، تدور حوله، تعود لنفس النقطة، تدور مجدداً. لا نهاية، لا استنتاج، فقط استنزاف.
علامة بسيطة للتمييز: إذا كنت تفكر في نفس الشيء للمرة العاشرة دون معلومات جديدة، فأنت لا تفكر — أنت تجتر. والاجترار لا ينتج حلولاً، ينتج إرهاقاً.
الإفراط في التفكير يعطيك وهم الإنتاجية. تشعر أنك "تعمل على المشكلة" بينما في الحقيقة أنت تدور حولها. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين السباحة والغرق.
لماذا ندخل في هذه الدوامة؟
الإفراط في التفكير غالباً محاولة للسيطرة. عندما نشعر بعدم اليقين، يحاول الدماغ تقليل القلق عبر التحليل. المشكلة أن بعض الأشياء لا يمكن حلها بالتفكير وحده — تحتاج وقتاً، أو معلومات غير متوفرة، أو ببساطة لا يوجد "حل" بالمعنى التقليدي.
أحياناً الدافع هو الخوف من الخطأ. نعتقد أننا إذا فكرنا بما يكفي، سنتجنب كل الأخطاء المحتملة. لكن هذا غير واقعي — الحياة فيها قدر من عدم اليقين لا يمكن إزالته مهما فكرت.
الثمن الذي تدفعه
الإفراط في التفكير ليس مجرد إزعاج — له تكلفة حقيقية. يستهلك طاقة ذهنية كان يمكن استخدامها في شيء فعلي. يؤثر على نومك عندما تأخذ الأفكار معك للسرير. يمنعك من الاستمتاع باللحظة الحالية لأنك دائماً في الماضي أو المستقبل.
والأسوأ: كثرة التفكير في المشاكل تجعلها تبدو أكبر مما هي. كلما أعدت تحليل موقف، كلما اكتشفت زوايا جديدة للقلق منها — معظمها لن يحدث أبداً.
كيف تكسر الحلقة
الخطوة الأولى هي الوعي. لاحظ متى تدخل في الدوامة. غالباً ندور لدقائق أو ساعات قبل أن ننتبه أننا ندور. كلما لاحظت أسرع، كلما كان الخروج أسهل.
- ●اسأل نفسك: هل هناك فعل يمكنني اتخاذه الآن؟ إذا نعم، افعله بدلاً من التفكير فيه. إذا لا، فالتفكير لن يغير شيئاً.
- ●حدد وقتاً للقلق: يبدو غريباً، لكنه يعمل. خصص 15 دقيقة يومياً "للتفكير في المشاكل". خارج هذا الوقت، أجّل القلق.
- ●حرّك جسمك: المشي، التمرين، حتى ترتيب الغرفة. النشاط البدني يقطع الحلقة الذهنية بشكل فعال.
- ●اكتب أفكارك: أحياناً الأفكار تدور لأنها غير واضحة. الكتابة تجبرك على تحويلها لجمل محددة، وغالباً تكتشف أنها أقل تعقيداً مما بدت.
ليس كل تفكير يستحق وقتك
بعض الأفكار تستحق التعمق فيها، وبعضها لا. تعليق عابر من شخص لا يعرفك جيداً لا يستحق ساعة من التحليل. سيناريو احتمال حدوثه ضئيل لا يستحق أن تعيشه مسبقاً في رأسك.
سؤال مفيد قبل أن تبدأ بالتحليل: "هل سيهم هذا الأمر بعد أسبوع؟ بعد شهر؟ بعد سنة؟" كثير مما نفرط في التفكير فيه لن نتذكره بعد أيام.
عقلك أداة قوية، لكنه ليس دائماً على حق. أحياناً يقدم لك أفكاراً لا تحتاج اهتمامك. تعلّم أن تقول "شكراً، لكن ليس الآن" وتمضي.
القبول جزء من الحل
جزء من الإفراط في التفكير هو رفض عدم اليقين. نريد إجابات واضحة، ضمانات، معرفة كيف ستسير الأمور. لكن الحياة لا تعمل هكذا، ومحاولة إجبارها على الوضوح عبر التفكير المستمر لن تنجح.
أحياناً أفضل ما يمكنك فعله هو القبول: "لا أعرف كيف سيسير هذا الأمر، ولا بأس بذلك. سأتعامل معه عندما يحدث." هذا ليس استسلاماً — هذا توفير للطاقة لما يمكنك فعلاً التأثير فيه.
ابدأ بملاحظة
في المرة القادمة التي تجد فيها نفسك تدور في نفس الأفكار، توقف واسأل: "هل أنا أفكر أم أدور؟ هل هناك شيء جديد هنا، أم أنني أعيد نفس الحلقة؟"
إذا كانت الإجابة أنك تدور، فهذه إشارة للخروج — ليس للاستمرار. غيّر النشاط، حرّك جسمك، تحدث مع شخص، أو ببساطة قرر أن هذا الموضوع حصل على ما يكفي من وقتك اليوم. الأفكار ستحاول العودة، لكن مع الممارسة، ستتعلم أن تختار متى تستمع ومتى تمضي.

