يسألك أحدهم: كيف حالك؟ فتجيب تلقائياً: الحمد لله، بخير. حتى لو لم تكن بخير. حتى لو كنت منهكاً من الداخل، قلقاً، حزيناً، أو مثقلاً بشيء لا تستطيع تسميته. تبتسم، تكمل يومك، وتدفن ما تشعر به في مكان أعمق.
تعلمنا أن هذا هو المطلوب. أن "القوي" لا يشتكي، لا يظهر ضعفه، لا يثقل على أحد. تعلمنا أن المشاعر الصعبة يجب أن تُخفى، أن نتجاوزها بسرعة، أن نمضي قدماً كأن شيئاً لم يكن. لكن هذه القوة المزعومة لها ثمن باهظ.
المشاعر المدفونة لا تختفي — تتراكم. وما ترفض الشعور به اليوم، ستدفع ثمنه غداً بطريقة أو بأخرى.
خرافة القوة الدائمة
فكرة أن الإنسان القوي لا يتأثر هي خرافة مُضرة. كل إنسان يمر بأوقات صعبة، يشعر بالحزن والقلق والإرهاق. هذا ليس ضعفاً — هذا جزء من التجربة الإنسانية. من لا يشعر بشيء ليس قوياً، بل منفصل عن نفسه.
المشكلة ليست في المشاعر الصعبة نفسها، بل في ما نفعله بها. حين نخفيها، نقمعها، نتظاهر بأنها غير موجودة — نحرم أنفسنا من فرصة التعامل معها فعلاً. الألم الذي لا يُعترف به لا يُشفى.
أين تذهب المشاعر المدفونة؟
المشاعر التي لا تُعالج لا تذهب لأي مكان. تبقى في الجسد، تظهر في صداع مزمن، توتر في العضلات، مشاكل في النوم، إرهاق لا يفسره شيء. تظهر في انفجارات غضب غير متناسبة، في انسحاب من العلاقات، في فقدان الاهتمام بأشياء كانت تهمك.
أحياناً تظهر بعد سنوات، في لحظة لا تتوقعها. حدث صغير يفجر كل ما تراكم. وحينها تبدو ردة فعلك مبالغاً فيها للآخرين، لكنها في الحقيقة ليست عن هذا الحدث — إنها عن كل ما لم تسمح لنفسك بالشعور به.
- ●إرهاق جسدي بلا سبب واضح
- ●صعوبة في النوم أو النوم المفرط
- ●انفجارات عاطفية غير متناسبة
- ●انسحاب من العلاقات والأنشطة
- ●صعوبة في التركيز واتخاذ القرارات
- ●شعور بالخدر أو الفراغ الداخلي
الاعتراف ليس ضعفاً
الاعتراف بأنك لست بخير يحتاج شجاعة أكبر من التظاهر بالقوة. أن تقول "أنا أمر بوقت صعب" أو "أحتاج مساعدة" ليس انهياراً — بل هو أول خطوة نحو التعافي. لا يمكنك حل مشكلة ترفض الاعتراف بوجودها.
القوة الحقيقية ليست في غياب المشاعر الصعبة، بل في القدرة على الجلوس معها، فهمها، والتعامل معها بوعي. الشخص الذي يستطيع أن يقول "أنا حزين" ويسمح لنفسه بالحزن — ثم يمضي — أقوى ممن يدفن حزنه ويتظاهر أنه غير موجود.
السؤال ليس "كيف أتوقف عن الشعور بهذا؟" — بل "ماذا يحاول هذا الشعور إخباري؟" المشاعر رسائل، لا أعداء.
كيف تتعامل مع ما تشعر به
الخطوة الأولى هي الملاحظة بدون حكم. حين تشعر بشيء صعب، توقف ولاحظ: ما هذا الشعور؟ أين أحسه في جسدي؟ لا تحاول تغييره فوراً، لا تحكم على نفسك لأنك تشعر به. فقط لاحظ.
سمِّ ما تشعر به. الأبحاث تُظهر أن مجرد تسمية المشاعر يقلل من حدتها. "أشعر بالقلق"، "أشعر بالحزن"، "أشعر بالإحباط". التسمية تخلق مسافة صغيرة بينك وبين الشعور — لم تعد أنت الشعور، بل أنت شخص يشعر بشيء.
اسأل نفسك: ما الذي أحتاجه الآن؟ أحياناً تحتاج راحة، أحياناً تحتاج حديثاً مع شخص تثق به، أحياناً تحتاج حركة أو هواء. المشاعر الصعبة غالباً تحمل رسالة عن حاجة غير ملباة.
متى تطلب المساعدة
هناك فرق بين مرور صعب وبين شيء يحتاج دعماً متخصصاً. إذا استمرت المشاعر الصعبة لأسابيع بدون تحسن، إذا أثرت بشكل كبير على عملك وعلاقاتك، إذا وجدت نفسك تفكر في إيذاء نفسك — هذه علامات أن الوقت قد حان لطلب مساعدة مهنية.
طلب المساعدة من معالج نفسي ليس فشلاً، مثلما الذهاب للطبيب حين تمرض ليس فشلاً. عقلك يستحق نفس العناية التي تعطيها لجسدك. والعلاج النفسي ليس فقط لمن يعانون من اضطرابات — بل لأي شخص يريد فهم نفسه أفضل والتعامل مع الحياة بشكل أصح.
الإذن الذي تحتاجه
ربما تحتاج أن يقول لك أحد: لا بأس أن لا تكون بخير. لا بأس أن تتعب، أن تحزن، أن تشعر بالضياع أحياناً. لا بأس أن تحتاج استراحة، أن تطلب مساعدة، أن تعترف بأن الأمور صعبة. هذا لا يجعلك ضعيفاً — يجعلك إنساناً.
القوة الحقيقية ليست قناعاً تلبسه للعالم. القوة الحقيقية هي أن تكون صادقاً مع نفسك، أن تعترف بما تشعر، وأن تأخذ الخطوات التي تحتاجها للعناية بنفسك — حتى لو لم يفهم أحد. أنت مسؤول عن صحتك النفسية، وأول خطوة هي السماح لنفسك بأن تكون إنساناً كاملاً، بكل ما يحمله ذلك من مشاعر.

